الرئيسية / موسوعة معلومات / يبدأ معظم التلوث في مياه البحار من مياه الأنهار

يبدأ معظم التلوث في مياه البحار من مياه الأنهار

يبدأ معظم التلوث في مياه البحار والمحيطات من مياه الأنهار التي تصب فيها ، والتي عادة ما تكون محملة بنواتج الصرف الصحي والصناعي والزراعي للمدن والقرى التي تمر عليها ، وكذلك من الصرف المباشر للتجمعات السكانية والصناعية على البحار والمحيطات . وقد قدر أن مخلفات الصرف الصحي التي تنتج عن مجمع سكاني به مليون شخص يزيد عن 250 ألف متر مكعب يومياً ، وأن اللتر الواحد من هذه المياه تحتوي على 2 إلى 3 بليون ميكروب ، ولك أن تتصور مدى التلوث الميكروبي الحادث ، ومدى تأثير ما بتلك المياه من ميكروبات مرضية على القاطنين بالسواحل والمصطافين ، خاصة أن كثيراً من الميكروبات المرضية تلوث بعض الكائنات البحرية التي قد تؤكل نيئة كبعض الأصداف والمحارات البحرية .

نتيجة لهذا التلوث الميكروبي تتضح مدى الخطورة في انتقال ميكروبات الكوليرا والتيفود ومسببات الإسهال إلى الإنسان من المياه الساحلية لحوض البحر الأبيض المتوسط ، والذي يقطن سواحله حوالي 100 مليون شخص ، أي أن صرفهم الصحي يقدر بأكثر من 25 مليون متر مكعب يومياً ، والذي يصرف معظمه في البحر ، وأن 33% من هذه المياه غير معاملة بتاتاً . فمن المعروف أن حوالي 120 مدينة مطلة على سواحل البحر الأبيض المتوسط تصب مياه صرفها الصحي دون معالجة أو بمعالجة مبدئية فقط في مياه البحر . تجذب شواطئ البحر الأبيض المتوسط سنوياً من 100 مليون إلى 150 مليون سائح ، أي بما يعادل 35% من مجمل السياحة العالمية . لا تقتصر أضرار التلوث بالبحر الأبيض المتوسط ، وهو بحر شبه مغلق ، عن طريق النشاط الإنساني بالأراضي الساحلية على الصرف الصحي ، بل يتعداه إلى الصرف الصناعي الناتج عن نشاط حوالي 150 ألف منشأة تصب مياهها في البحر ، وتقدر مياه الصرف الصناعي التي تصب بالبحر بما يزيد عن مليون طن يومياً .

لو أردنا شن حرب على البحار والمحيطات لإحداث أكبر تدمير حيوي لها ، لوجهنا جل اهتماماتنا التدميرية ، وما نملكه من أسلحة دمار شامل إلى الشواطئ الساحلية حيث يحدث أكبر نشاط بيولوجي مكثف ، سواء في الأراضي القريبة من الشاطئ أو في المياه الساحلية . هذا ما يعمله الإنسان … ليس عمداً بالطبع ، ولكن إزدحامه وتجمهره قرب السواحل ، حيث تتدفق إلى الشواطئ مخلفات المدن والصناعات والزراعات … وحيث تتجمع السحب وتحمل بنفايات غازية وجسيمات دقيقة نتجت عن نشاطات الإنسان … وحيث تصب الأمطار ومعها حمولاتها من الملوثات الناتجة عن غسيل الهواء .

وفي الماء ، قريباً من السواحل ، تأتي حاملات البترول متجهة إلى مراكز تحميل البترول وبخزاناتها حمولة توازن من ماء ملوث ببقايا بترول ، فتفرغ حمولتها من ماء التوازن ، قبيل وصولها إلى ميناء التحميل ، في ماء البحر استعداداً لملئ خزاناتها بحمولة جديدة من البترول . وتقدر كمية ما يحتويه ماء التوازن من البترول بحوالي 1 إلى 1.5 % من حمولتها السابقة بالبترول . إضافة إلى التلوث البترولي الناتج عن تفريغ ماء التوازن فإن هناك تلوث آخر ناتج عن حفارات البترول وما يتسرب منها ، والتي يكثر إقامتها في المياه قريباً من السواحل وكذلك التلوثات البحرية الناتجة عن حوادث ناقلات البترول ، والتسرب الطبيعي من وقود وزيوت البواخر وعوادم تشغيلها . وقد قدر ما يصل إلى المياه البحرية من مواد بترولية بما يتراوح ما بين 1 إلى 10 مليون طن سنوياً ، وأن حوالي ثلث هذه الكمية تلوث حوض البحر الأبيض المتوسط .
مما سبق يتضح لنا مدى التلوث الحادث نتيجة للنشاط الإنساني على السواحل البحرية ، ونتيجة لما ترسله الأنهار إلى البحار من حمولتها من مياه الصرف الصحي والصناعي والزراعي ، وما ينتج عن الاستخدام المباشر لمياه السواحل في الاستحمام والنظافة والغسيل وإلقاء الفضلات . وزيادة عما سبق فإن التدمير الذي يحدث للبحار نتيجة ما تفعله بعض المدن من توسع في مساحة أراضيها ناحية البحر بالردم . كل هذه التصرفات التي تحدث قرب السواحل البحرية تهدد بيئة البحار .

يحق لنا أن نتساءل . لماذا تكمن الخطورة على البحار والمحيطات من تصرفات الإنسان قرب الشواطئ ؟

بادئ ذي بدء ، نذكر أن المحيطات تمثل حوالي 71 من مساحة سطح الكرة الأرضية وأنها تحمل حوالي 97% من ماء الكوكب وحوالي عشرة آلاف ضعف حجم الماء العذب في الأنهار والبحيرات . يقدر حجم ماء البحار والمحيطات بحوالي 1320 مليون كيلومتر مكعب ، وأن أحياء البحار تقطن حوالي 90% من المساحة المسكونة بالكرة الأرضية . يتزاحم سكان البحار والمحيطات ، من حيوانات ونباتات ، قريباً من الشواطئ ، في المساحات غير العميقة المحيطة بالقارات ، والمعروفة بالأرصفة القارية . تختلف مسافات امتداد الرصيف القاري من موقع إلى آخر ، لكنه يمتد في المتوسط حوالي 70 كليومتراً من السواحل ، وتمثل مساحاتها حوالي 10% من مساحة المحيطات . من مياه الأرصفة القارية نحصل على حوالي 20% من إنتاج المحيطات وبخاصة من الأسماك ، التي تمون سكان الأرض بأعلى معدل من البروتين ، حيث يمثل الصيد البحري حوالي 16% من الاستهلاك العالمي من البروتين ، فمعظم سكان السواحل والجزر يعتمدون على الأسماك كمصدر أساسي للبروتين ، ففي آسيا وحدها تقدر أعداد من يعتمدون في تغذيتهم على الأسماك كمصدر للبروتين يزيد عن بليون شخص .

سؤال آخر :

هل الحرب الموجهة إلى السواحل بأفعالنا والضارة بنا ، لا تتعدى آثارها المناطق الساحلية ؟

كلا وألف مرة كلا ، فما نوجهه من سموم إلى السواحل البحرية ينتقل منها إلى أعالي البحار في أواسط المحيطات ، كما تنتقل تلك السموم إلى قطبي الكرة الأرضية ؛ الشمالي الجنوبي ، حيث يكاد ينعدم التواجد السكاني ، كما تنتقل السموم أيضاً من الأسطح إلى الأعماق . التيارات المائية تقلب المياه من أسفل إلى أعلى ، ومن أعلى إلى أسفل ، كما أن هناك تيارات موسمية تحرك المياه في اتجاهات مختلفة فتنتقل معها الملوثات التي يبعثها الإنسان إلى مختلف الاتجاهات .

لا تقتصر مهمة توزيع الملوثات في مياه البحار والمحيطات على التيارات المائية ، بل إن أحياء البحار تقوم بالتوزيع بكفاءة أفضل وبسرعة أكبر ، فالطحالب وأحياء الماء الأخرى تأخذ الملوثات مباشرة مع ما تتناوله من ماء البحر ، وكثيراً ما تحتفظ بالملوث وتتخلص من الزيادة المائية فيزداد تركيز الملوث بها عن تركيزه في الوسط المائي الذي تعيش فيه . فإذا تغذيت كائنات حيوانية بحرية عشبية التغذية على الطحالب الملوثة ازدادت نسبة الملوث بأجسامها عن نسبته في الطحالب . وإذا تغذت كائنات حيوانية بحرية حيوانية التغذية على حيوانات بحرية ملوثة انتقل الملوث إليها وازدادت تركيزه بها ، فإذا تغذت طيور بحرية على الأحياء البحرية انتقلت إليها المواد الملوثة وازدادت تركيزاتها بها . وبتحركات الطيور والحيوانات البحرية وخاصة الأنواع المهاجرة منها تنتقل الملوثات في طول البحار وعرضها ومن أسطحها إلى أعماقها .

تلويث البحار والمحيطات ليس قاصراً على المناطق الساحلية ، بل يمتد أيضاً إلى أعالي البحار ، حيث الحركة الكثيفة للسفن المدنية والحربية ، الصغيرة والكبيرة والعملاقة ، خاصة حاملات البترول وما ينتج عن تحركاتها من عوادم وقود تشغيلها ومن زيوت محركاتها التي تلقي في تلك المياه ، إضافة إلى مخلفات بحاراتها وركابها من فضلات طعام وفضلات إخراج . في السنين الأخيرة ازدادت حركة البواخر مع ازدياد التجارة العالمية ، وستزداد أكثر بعد تحرير التجارة العالمية .

من أخطر الملوثات البحرية ، المنتجات البترولية ، وخاصة في المناطق التي تصب فيها مياه التوازن السابق الحديث عنها ، وما يصل إلى المياه عن طريق حوادث البواخر الحاملة للبترول ، حيث تلقي أطنان من حمولتها في الماء تاركة بقع زيتية كبيرة تضر بأحياء الماء ضرراً بليغاً وتلوث الشواطئ التي كانت أماكن استجمام فأصبحت من كثرة ما برمالها من قطران مصدر إزعاج للمترددين عليها ، فعليهم بعد استحمامهم في الماء أن ينظفوا أنفسهم مما علق بأجسامهم من قطران ، وغالباً ما يستخدمون ملوثاً بترولياً آخر لإذابة القطران وإزالته ، وقد يكون الكيروسين أو البنزين مع ما لهما من أضرار صحية .

ومن أخطر حوادث التلوث البحري بالبترول ما حدث في الخليج العربي في أوائل عام 1991 أثناء حرب الخليج من صب متعمد في مياه الخليج قدرت كميته بحوالي 250 مليون جالون بترول ، وقد نتج عن ذلك تكون بقعة زيت عرضها حوالي خمسة كيلومترات وطولها حوالي ثلاثين كيلومتراً ، مؤثرة تأثيراً ضاراً على الحياة البحرية وعلى الطيور التي تعيش على الأحياء البحرية ، وتسببت ، حسب أحد التقديرات ، في موت حوالي مليونين من الطيور.

عن wordpressadmin

شاهد أيضاً

التلوث الحراري

الحرارة والوظائف الحيوية: – تؤثر درجة الحرارة في العمليات الفيزولوجية المختلفة التي تعمل على بناء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *